بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على نبينا محمد وآله صلاة طيبة مباركة

كتابات / الحرف المعاصرة / الشارقة

من يد الحرفية إلى ذاكرة المدينة: إرثي وتجدد الفنون الحرفية في الشارقة

قراءة في تجربة إرثي بوصفها نموذجاً يربط صون المهارة الحرفية بالتعليم والبحث والتصميم المعاصر وفتح مسارات جديدة لتداولها.

بقلم: د. عمر الجميلي

الكلمات المفتاحية

إرثي؛ الشارقة؛ الحرف التقليدية؛ التلي؛ السدو؛ نقل المهارة؛ التصميم المعاصر.

لا تُقاس حياة الحرفة بقدرتها على إنتاج قطعة جميلة فحسب، بل بقدرتها على نقل المعرفة وإعادة ابتكارها وإيجاد مكان لها في حاضر المدينة. من هنا تكتسب تجربة إرثي أهميتها؛ فهي تقرأ الحرفة باعتبارها مهارة وذاكرة واقتصاداً ومؤسسة في آن واحد.

الحرفة معرفة تتحرك في اليد والذاكرة

لا تبدأ الحرفة حين تكتمل القطعة، بل قبل ذلك بكثير: في يد تعرف مقاومة الخيط، وفي عين تميّز درجة اللون، وفي ذاكرة تختزن كيف تتحول المادة إلى شيء نافع وجميل. لذلك لا تختزل الحرفية في شكل المنتج؛ إنها معرفة تعمل في الجسد والوقت، وفي العلاقة بين المعلم والمتعلم.

وتعرّف اتفاقية اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي التراث بوصفه ممارسات ومعارف ومهارات تتناقلها الجماعات وتعيد ابتكارها مع تغير بيئتها وتاريخها. من هذا المنظور، يصبح حفظ الحرفة حفظاً لشروط استمرارها، لا حفظاً لصورتها وحدها.

الشارقة: حين تلتقي الحرفة بالفن المعاصر

في الشارقة، تتخذ هذه المعرفة مكانة خاصة. فالمدينة عضو في شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الحرف والفنون الشعبية منذ عام 2019، بينما تفتح مؤسسة الشارقة للفنون مساحات للورش والتجريب والتعلم. هنا يلتقي مساران مؤسسيان: مسار يضع الحرفة والحرفية في مركزه، وتمثله إرثي؛ ومسار فني أوسع يجعل المهارة التقليدية مادة للتعلم والتجريب الفني.

ولا يعني هذا الجمع إلغاء الفروق بين المؤسستين. فخصوصية إرثي تظهر في تخصيص العمل للحرف والحرفيات وربط المهارة بالتوثيق والابتكار والتداول، بينما تضيف مؤسسة الشارقة للفنون فضاءً فنياً وتعليمياً يوسّع إمكانات الحوار بين الحرفة والتصميم والفن المعاصر.

إرثي ودورة الحرفة: من المهارة إلى القيمة

يمتاز مجلس إرثي بأن صون الحرفة عنده لا يقف عند عرض المنتج أو الاحتفاء برمزه؛ بل يشتغل على شروط استمرار الممارسة. ففي برامج التدريب والتبادل، تصل مهارات الحرفيات إلى أسواق جديدة، وتجمع مختبرات التصميم بين مصممين وحرفيات ومتدربات في مساحة لتبادل المعرفة والحرفة والتصميم.

في هذه التجربة، لا تقف الحرفية خارج الاقتصاد المعاصر، بل تدخل إليه بصفتها صاحبة معرفة ومساهمة في إنتاج القيمة. ومن هنا أقترح مفهوم «دورة الحرفة» بوصفه إطاراً تحليلياً: ذاكرة تحفظ المعرفة، وتعليم ينقلها، وتصميم يوسّع إمكاناتها، وسوق يعترف بقيمتها، ومؤسسة تحفظ أثرها للمستقبل.

التلي والسدو: المهارة بوصفها علاقة اجتماعية

تكشف حرفة التلي عن دقة هذا المنهج. فالتلي تشبيك لخيوط قطنية، غالباً ستة، يفصل بينها خيط فضي، فتنتج أشكالاً لونية ترتبط رموزها بحياة الصحراء والبحر. ولا تنتقل المهارة داخل البيوت فقط، بل أيضاً عبر الدورات والورش والمناسبات، حيث تجتمع المعرفة العملية بالحكاية والعلاقة الاجتماعية.

وتظهر قيمة السدو بالطريقة نفسها. فهو ليس نمطاً هندسياً جامداً، بل ممارسة تتعلم فيها الفتيات بالمشاهدة والتدرج، وتستمر عبر جماعات النساجات. لذلك فإن صون السدو لا ينفصل عن البحث والتوثيق ونقل المعرفة والدعم الاقتصادي، لأن بقاء الشكل من دون بقاء الجماعة الحاملة للمهارة لا يحقق الغاية الثقافية كاملة.

حين تصبح التقنية ذاكرة مساعدة لا بديلاً عن اليد

تضيف إرثي إلى هذا الامتداد مجالاً مهماً هو البحث والتوثيق. وتشمل المشاريع المعلنة دراسة ألياف نسيجية جديدة من نباتات محلية، وتطوير أصباغ من مخلفات الطعام، وتوثيق تقنيات النسيج بالمسح ثلاثي الأبعاد، وحفظ معارف الحرفيات وملاحظاتهن ضمن أرشيف ومواد تعليمية.

تكمن دلالة هذه الأعمال في أن التقنية لا تحل محل اليد؛ إنها تصنع ذاكرة مساعدة لها. فالمسح الثلاثي قد يحفظ تسلسل حركة أو هيئة نسج، لكنه لا يكتسب معناه إلا حين يعود إلى تعليم وممارسة ويد قادرة على تفسير ما تراه.

ويكتمل المسار حين تغادر الحرفة حدود الورشة إلى جمهور أوسع، عبر منصات التداول والمجموعات المصممة بالتعاون مع فنانين ومصممين، ثم عبر المتحف بوصفه مؤسسة دائمة لحفظ الحرف المعاصرة وتوثيق تطورها ودعم البحث والتعليم والابتكار في التصميم. بذلك تتجاور الورشة والأرشيف والتصميم والسوق والمتحف بوصفها حلقات متصلة في حياة الحرفة.

الخلاصة: الحرفة مستقبلٌ يُبنى من مادته الأولى

إن قيمة تجربة إرثي أنها لا تنظر إلى الحرفية بوصفها بقايا زمن مضى، بل معرفة تستطيع أن تصنع مستقبلاً من مادتها الأولى. فالنسيج لا يبقى حياً لأن خيوطه محفوظة، وإنما لأن هناك من يعرف كيف يشدّها، ومتى يغيّر لونها، ولمن يمنحها شكلها التالي.

الحرفة لا تُحفظ حين نجمّد صورتها؛ بل حين نضمن قدرتها على التعلم والصنع والتطوير والتداول.

الهوامش والمراجع

  1. [1]اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي (2003)
  2. [2]اليونسكو: التلي، مهارات التطريز التقليدية في الإمارات (2022)
  3. [3]اليونسكو: السدو، مهارات النسيج التقليدية في الإمارات (2025)
  4. [4]وكالة أنباء الإمارات: إرثي يطوّر أبحاث الألياف والأصباغ (27 يوليو 2026)
  5. [5]وكالة أنباء الإمارات: إطلاق منصة إرثي للتجارة الإلكترونية (22 مايو 2026)
  6. [6]وكالة أنباء الإمارات: إطلاق متحف إرثي للحرف المعاصرة (7 أغسطس 2026)

هذه الصفحة تحرير ثقافي تحليلي باسم د. عمر الجميلي، وتُنسب الوقائع المشار إليها إلى المصادر الرسمية المبينة أعلاه.